قلّما توجد قرارات تُشكّل المؤسسة لفترة أطول من تغيير نموذجها التشغيلي. فنقل العمل بين الفرق، أو الدمج في مركز خدمات مشتركة، أو نقل الأنشطة إلى الخارج، أو دمج كيان مستحوَذ عليه، كلها خطوات قد تثبّت مستويات التكلفة والخدمة لسنوات.
ومع ذلك، تُعتمد هذه القرارات عادةً استناداً إلى مخطط للوضع المستهدف وجدول بيانات بالوفورات المتوقعة. فالتصميم يُوصف، لكنه نادراً ما يُختبر.
الحصيلة حتى الآن
الأدلة على عمليات إعادة التصميم مثيرة للقلق. فقد وجدت أبحاث McKinsey أن أقل من ربع عمليات إعادة التصميم التنظيمي تنجح؛ إذ يفقد 44 في المئة منها زخمه بعد انطلاقه، ويخفق ثلثها في تحقيق أهدافه أو تحسين الأداء بعد التنفيذ [1]. وكانت دراسة سابقة أجرتها Bain على 57 عملية إعادة تنظيم بين عامَي 2000 و2006 قد وجدت أن أقل من ثلثها حقق أي تحسن يُذكر في الأداء [2].
وتشير أعمال McKinsey ذاتها إلى أحد الأسباب. إذ يلاحظ المؤلفون أن كثيراً من الشركات تختار هيكلاً جديداً بناءً على فرضيات غير مختبرة أو على الحدس. وقال ما يقارب أربعة من كل خمسة مشاركين ممن أقرّوا بالاعتماد على الحدس إن المخطط الذي اختاروه لم ينجح. وقال 60 في المئة إنهم لم يخصصوا وقتاً كافياً لتقييم المؤسسة قبل إعادة تصميمها [1].
لماذا تبقى الافتراضات دون اختبار
هذه النزعة بشرية وموثقة جيداً. فقد وصف دانيال كانيمان ودان لوفالو كيف يبالغ المسؤولون التنفيذيون باستمرار في تقدير المنافع ويقللون من تقدير التكاليف والوقت، لأنهم يخططون انطلاقاً من النظرة الداخلية لمشروعهم بدلاً من سجل المشاريع المماثلة [3].
وقواعد الإنفاق العام في المملكة المتحدة تراعي ذلك صراحةً. إذ ينص دليل الكتاب الأخضر (Green Book) الصادر عن وزارة الخزانة البريطانية (HM Treasury) على أن القائمين على تقييم المشاريع يميلون إلى الإفراط في التفاؤل، ويشترط إجراء تعديلات صريحة على تقديرات التكلفة والمنفعة والمدة، استناداً إلى بيانات من مشاريع سابقة أو مماثلة [4].
وقد تكون الفجوة كبيرة. إذ تُظهر قاعدة بيانات بنت فليفبيرغ، التي تضم أكثر من 16,000 مشروع في قطاعات عديدة، أن نحو 8.5 في المئة فقط منها تُنجز ضمن الميزانية وفي الموعد المحدد، وأن 0.5 في المئة فقط تحقق ذلك وتحقق أيضاً المنافع الموعودة [5].
ليست تغييرات النموذج التشغيلي مشاريع عملاقة، لكنها تتعرض للمخاطر ذاتها. فدراسة الجدوى توقّعٌ، والتوقع القائم على افتراضات غير مختبرة ليس إلا أملاً مقروناً برقم.
الافتراضات الأهم مخفية في تدفق العمل
نادراً ما تتعلق أخطر الافتراضات في تغيير النموذج التشغيلي بعدد الموظفين، بل بطريقة انتقال العمل.
- التوافر. المهمة المحالة إلى فريق في منطقة أخرى تنتظر حتى يبدأ ذلك الفريق عمله. وجدول البيانات الذي يعامل كل ساعة على أنها متاحة سيقلل من تقدير الوقت المنقضي.
- الاستخدام. تُظهر نظرية الطوابير أنه كلما اقترب مورد ما من الاستخدام الكامل، ارتفع وقت الانتظار ارتفاعاً حاداً لا تدريجياً [6]. فعملية الدمج التي تُشغّل فريقاً بنسبة 95 في المئة تبدو فعالة على الورق، لكنها بطيئة في الواقع.
- التباين. العمليات الحقيقية تتفرع؛ فنسبة من الحالات تحتاج إلى إعادة عمل أو تصعيد أو موافقة ثانية. والمتوسطات تخفي الحالات الطرفية التي تقود التكلفة والشكاوى.
- العمل الجماعي. كثير من الخطوات تنجزها مجموعات لا أفراد: مراجعة من لجنة، أو موافقة مجمّعة، أو قائمة انتظار مشتركة. ونمذجتها على أنها شخص واحد يؤدي مهمة واحدة تُخطئ في تقدير الوقت والتكلفة معاً.
لا يظهر أي من هذه العوامل في الهيكل التنظيمي، لكن كلاً منها قادر على تحويل وفر متوقع إلى إخفاق في الخدمة.
الاختبار قبل الالتزام
هذا الانضباط ليس جديداً. فمنهج التخطيط القائم على الاكتشاف (discovery-driven planning) الذي وضعته ريتا ماكغراث وإيان ماكميلان، ونُشر لأول مرة في Harvard Business Review عام 1995، يطلب من المديرين تدوين الافتراضات التي تعتمد عليها الخطة وتحويلها إلى معرفة بأقل تكلفة ممكنة قبل الالتزام بموارد كبيرة [7].
وفي التغيير التشغيلي، تُعد المحاكاة الطريقة الأكثر مباشرة لاختبار الافتراضات. فقد استخدمت أبحاث إدارة العمليات التجارية المحاكاة منذ زمن طويل لتشغيل نموذج العملية مرات عديدة بمدد واقعية واحتمالات تفرع وقيود على الموارد، ولمقارنة نتائج التصاميم البديلة قبل تنفيذ أي منها [8]. وباتت لهذه الفكرة الآن فئة خاصة لدى المحللين؛ ففي يوليو 2026 نشرت Gartner أول تقرير Magic Quadrant لمنصات التوأم الرقمي للمؤسسة (Digital Twin of an Organization)، ووصفت فيه نموذجاً ديناميكياً يساعد المؤسسات على تخطيط المبادرات ذات الترابطات المتعددة [9].
يتسم الوضع المستقبلي القابل للاختبار بخمس خصائص.
- خط أساس للوضع الحالي مرسوم في صورة عمليات تندرج تحت القدرات التي تخدمها.
- نسخ بديلة للوضع المستقبلي تغيّر أموراً محددة: من يؤدي العمل، وأين، وبأي ترتيب.
- موارد واقعية: عدد الأفراد في كل فريق، وتقويمات العمل حسب المنطقة، ومعدل تكلفة للساعة.
- مخرجات قابلة للمقارنة: الوقت والتكلفة والكفاءة للوضعين الحالي والمستقبلي، محسوبة في ظل الظروف نفسها.
- ربط بالتمويل، بحيث تُعتمد محفظة التغيير بناءً على النتيجة المختبرة لا على التقدير الأولي.
وبتوافر هذه الخصائص، يتغير الحوار في مجلس الإدارة. فلم يعد السؤال ما إذا كان الوضع المستهدف يبدو صائباً، بل أي الخيارات الثلاثة المختبرة يحقق أفضل أداء، وأي الافتراضات لا تزال تنطوي على أكبر قدر من المخاطر.
دور MIRAI
صُمّمت MIRAI لجعل الأوضاع المستقبلية قابلة للاختبار. إذ تُعرض النسخ الحالية والمستقبلية من العمليات جنباً إلى جنب. وتُشغّل المحاكاة العملية مرات عديدة باستخدام المدد واحتمالات التفرع وعدد الأفراد في كل مسار وتقويمات العمل حسب المنطقة وبطاقة أسعار لكل مسار. كما تُنمذج العمل الجماعي، بحيث يمكن أن يؤدي المهمة فريق بدلاً من شخص واحد. وتتجمع النتائج صعوداً من العملية إلى القدرة ثم إلى خريطة المؤسسة.
ويضم النموذج نفسه محفظة التغيير: الأهداف وجولات التمويل والمعتمِدين والنقاط الزمنية. ويرتبط التمويل بالقدرات التي يؤثر فيها التغيير، بحيث يأتي «ما هو عليه الآن» و«ما سيكون عليه» من مصدر واحد. وقد بُنيت ميزات المحاكاة واختُبرت على عمليات نموذجية.
أسئلة تطرحها قبل قرارك التالي بشأن النموذج التشغيلي
- ما الافتراضات الثلاثة التي ستغيّر دراسة الجدوى أكثر من غيرها لو ثبت خطؤها؟
- هل جرت محاكاة الوضع المستقبلي في ضوء ساعات عمل حقيقية وطاقة استيعابية حقيقية وتباين حقيقي؟
- هل يمكننا المقارنة بين تصميمين بديلين على الأقل على الأساس نفسه؟
- هل التمويل مرتبط بنتيجة مختبرة، أم بالتقدير الأولي؟
المراجع
- Aronowitz, S., De Smet, A. and McGinty, D. (2015) ‘Getting organizational redesign right’, McKinsey Quarterly, 1 June. متاح على: mckinsey.com
- Blenko, M.W., Mankins, M.C. and Rogers, P. (2010) ‘The decision-driven organization’, Harvard Business Review, 88(6). متاح على: hbr.org
- Lovallo, D. and Kahneman, D. (2003) ‘Delusions of success: How optimism undermines executives’ decisions’, Harvard Business Review, 81(7), pp. 56–63.
- HM Treasury (2013) Green Book supplementary guidance: optimism bias. London: HM Treasury. متاح على: gov.uk
- Flyvbjerg, B. and Gardner, D. (2023) How Big Things Get Done. London: Macmillan.
- Hopp, W.J. and Spearman, M.L. (2008) Factory Physics. 3rd edn. New York: McGraw-Hill/Irwin.
- McGrath, R.G. and MacMillan, I.C. (1995) ‘Discovery-driven planning’, Harvard Business Review, 73(4), pp. 44–54.
- Dumas, M., La Rosa, M., Mendling, J. and Reijers, H.A. (2018) Fundamentals of Business Process Management. 2nd edn. Berlin: Springer.
- Gartner (2026) Magic Quadrant for Digital Twin of an Organization Platforms. Published 27 July. الملخص متاح على: gartner.com